عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

91

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

مثال ذلك الصرعى من المجانين وإن كان الفرق شاسعا ولا نسبة ، ولكن وجود هؤلاء تقريبا مثاليا للناس عن بعض حالات الروح كمثل ما تفنى حاسة الشم لدى الإنسان ، أعني تنصرف ضوابطها وقواها في رائحة الطيب التي يتطيب به صاحبها ، فلا تقع قواها على معرفة غير ذلك مما قد يحيط بها من الروائح التي لا تبلغ قوة نفوذ العطر المتمخض به صاحبها ، وهي التي لا يخلو ما يحيط بها من الأماكن من روائح كثيرة حسنة وقبيحة ، وبقدر قوة الطيب بقدر ما يكون استغراق قوى حاسة الشم فيه وعدم الالتفات إلى غيره . أفناهم الحسن البديع المطلق * ففنوا به فيه لديه وما بقوا كشف الجمال لهم نقابا مطلقا * فرأوه من كل الجهات وحققوا أخذتهم في البحر أمواج البها * وطفا عليهم ماؤه فاستغرقوا هلكوا جميعا في الملاحة وحدة * فانين في التوحيد عما يطرق لا يشعرون بموتة وببعثة * ونعيم جنات ولا ما يحرق ذهبوا به فيه ذهابا كاملا * فتتوجوا بجماله وتطوقوا شقوا بطيب الحق عن بين السوى * فتخلصوا عما سواه وما شقوا لما هبت عليهم نسمات العنايات بطيب الكمالات امتلأت مشامهم بعبير عنبر تلك السمات ، فامتسكت عن شم السوى بطيب مسك محاسن أسمائه والصفات ، فهاموا به من الآزال إلى الآباد وانقطعوا في الوحدة عن الكثرة والأعداد ، فهم المسمون عند أرباب الدرايات بأهل تجلي الأسماء والصفات ، ثم اصطفى من هذه الطائفة الكريمة نبذة اصطنعهم للخلافة العظيمة فجردهم عن تلك المجالي وأوقفهم بهم في أسعد مكانات التعالي ، ذهب بهم عن النعت والرسم والوصف والاسم فشهدوا ذواتهم بعين تلك الإشارة واستغنوا بهم عما لا تحويه العبارة ، ففني عنهم في هذا المقام ما كان أفناهم من ذلك الحسن التمام . أفنيته في باطني * من بعد ما أفناني هذا بهذا في الهوى * لا تنكروا أفناني هذه الطائفة هم أهل الذات ، وهم الصفوة الذاتيون إذ غرقوا في بحر الذات فانطمسوا وهلكوا فيها واندرسوا ، ماتوا موتة أبدية وعاشوا عيشة أزلية ، فلا يرجون بعدها موتا ولا حشرا ولا بعثا ولا نشرا ، بل لا يخطر بهم شيء غيرهم فكل منهم عينهم ، لأنه هو الذات الساذجة الصرفة المطلقة المتحققة التي يعبر عنها بالوجود